مجمع البحوث الاسلامية
474
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نعلمه من اللّغة ، ونعهده من مصاديق الكلمات حقيقة ومجازا . والبيان القرآنيّ غير جار هذا المجرى ، على ما تقدّم بيانه في الأبحاث السّابقة ، بل هو كلام موصول بعضها ببعض في عين أنّه مفصول ، ينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، كما قاله عليّ عليه السّلام ، فلا يكفي ما يتحصّل من آية واحدة ، بإعمال القواعد المقرّرة في العلوم المربوطة ، في انكشاف المعنى المراد منها ، دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ، ويجتهد في التّدبّر فيها ، كما يظهر من قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النّساء : 82 ، وقد مرّ بيانه في الكلام على الإيجاز وغيره . فالتّفسير بالرّأي المنهيّ عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف ، وبعبارة أخرى إنّما نهى عليه السّلام عن تفهّم كلامه على نحو ما يتفهّم به كلام غيره ، وإن كان هذا النّحو من التّفهّم ربّما صادف الواقع . والدّليل على ذلك قوله صلّى اللّه عليه وآله في الرّواية الأخرى : « من تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » ، فإنّ الحكم بالخطإ مع فرض الإصابة ، ليس إلّا لكون الخطأ في الطّريق ، وكذا قوله عليه السّلام في حديث العيّاشيّ : « إن أصاب لم يؤجر » . ويؤيّده ما كان عليه الأمر في زمن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فإنّ القرآن لم يكن مؤلّفا بعد ، ولم يكن منه إلّا سور أو آيات متفرّقة في أيدي النّاس ، فكان في تفسير كلّ قطعة قطعة منه ، خطر الوقوع في خلاف المراد . والمحصّل أنّ المنهيّ عنه إنّما هو الاستقلال في تفسير القرآن ، واعتماد المفسّر على نفسه من غير رجوع إلى غيره ، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرّجوع إليه . وهذا الغير لا محالة إمّا هو الكتاب أو السّنّة ، وكونه هي السّنّة ينافي القرآن ، ونفس السّنّة الآمرة بالرّجوع إليه ، وعرض الأخبار عليه ، فلا يبقى للرّجوع إليه والاستمداد منه في تفسير القرآن إلّا نفس القرآن . ومن هنا يظهر حال ما فسّروا به حديث التّفسير بالرّأي ، فقد تشتّتوا في معناه على أقوال : أحدها : أنّ المراد به التّفسير من غير حصول العلوم الّتي يجوز معها التّفسير ، وهي خمسة عشر علما على ما أنهاه السّيوطيّ في « الإتقان » : اللّغة ، والنّحو ، والتّصريف ، والاشتقاق ، والمعاني ، والبيان ، والبديع والقراءة ، وأصول الدّين ، وأصول الفقه ، وأسباب النّزول ، وكذا القصص ، والنّاسخ والمنسوخ ، والفقه ، والأحاديث المبيّنة لتفسير المجملات والمبهمات ، وعلم الموهبة ، ويعني بالأخير ما أشار إليه الحديث النّبويّ : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » . الثّاني : أنّ المراد به تفسير المتشابه الّذي لا يعلمه إلّا اللّه . الثّالث : التّفسير المقرّر للمذهب الفاسد ، بأن يجعل المذهب أصلا والتّفسير تبعا ، فيردّ إليه بأيّ طريق أمكن وإن كان ضعيفا . الرّابع : التّفسير بأنّ مراد اللّه تعالى كذا على القطع ، من غير دليل .